عثمان بن جني ( ابن جني )

81

الخصائص

فإن قلت : ما أنكرت ألا يكون ما جاء من نحو فعلة على فعل - نحو نوب وجوب ودول - لما ذكرته من تصوّر الضمّة في الفاء ، ولا يكون ما جاء من فعلة على فعل - نحو ضيع وخيم وعيب - لما ذكرته من تصوّر الكسرة في الفاء ، بل لأن ذلك ضرب من التكسير ركبوه فيما عينه معتلّة كما ركبوه فيما عينه صحيحة ؛ نحو لأمة " 1 " ولؤم وعرصة وعرص وقرية وقرى وبروة " 2 " وبرا - فيما ذكره أبو علىّ - ونزوة ونزا - فيما ذكره أبو العبّاس - وحلقة وحلق وفلكة وفلك ؟ قيل : كيف تصرّفت الحال فلا اعتراض شكّ في أن الياء والواو أين وقعتا وكيف تصرّفتا معتدّتان حرفى علّة ، ومن أحكام الاعتلال أن يتبعا ما هو منهما . هذا هذا ، ثم إنا رأيناهم قد كسّروا فعلة مما هما عيناه على فعل وفعل ؛ نحو جوب ونوب وضيع وخيم ، فجاء تكسيرهما تكسير ما واحده مضموم الفاء ومكسورها . فنحن الآن بين أمرين : إما أن نرتاح لذلك ونعلّله ، وإما أن نتهالك فيه ونتقبله غفل الحال ، ساذجا من الاعتلال . فأن يقال : إن ذلك لما ذكرناه من اقتضاء الصورة فيهما أن يكونا في الحكم تابعين لما قبلهما أولى من أن ننقض الباب فيه ، ونعطى اليد عنوة به ، من غير نظر له ، ولا اشتمال من الصنعة عليه ؛ ألا ترى إلى قوله : وليس شيء مما يضطرّون إليه إلا وهم يحاولون له وجها . ( فإذا ) لم يخل مع الضرورة من وجه من القياس محاول فهم لذلك مع الفسحة في حال السعة أولى بأن يحاولوه ، وأحجى بأن يناهدوه " 3 " فيتعللوا به ولا يهملوه . فإذا ثبت ذلك في باب ما عينه ياء أو واو جعلته الأصل في ذلك ، وجعلت ما عينه صحيحة فرعا له ، ومحمولا عليه ؛ نحو حلق وفلك وعرص ولؤم وقرى وبرا ؛ كما أنهم لمّا أعربوا بالواو والياء والألف في الزيدون والزيدين والزيدان تجاوزوا ذلك إلى أن أعربوا بما ليس من حروف اللين . وهو النون في يقومان وتقعدين وتذهبون . فهذا جنس من تدريج اللغة الذي تقدّم بابه فيما مضى من كتابنا هذا .

--> ( 1 ) هي الدرع . ( 2 ) هي الحلقة في أنف البعير . ( 3 ) يناهدوه : يناهضوه ويقصدوه .